بسم الله الرحمن الرحیم
حکم کیفیة کتابة القاضي إلی القاضي آخر في الفقه الإسلامي
المقدمــة :
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله المبعوث رحمة للعالمين، ورضي الله عن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد :
فقد أكرمنا الله – تعالى – بالإسلام، ليخرج الناس من الشرك إلى الإيمان، ومن الظلام إلى النور، ومن الظلم إلى العدل ومن الضلال إلى الهدى، ومن الضياع إلى الجادة القويمة، فأرسل رسوله بالهدى ودين الحق، فبلغ الأمانة، وأدى الـرسالة، ونصح الأمة، وأقام دولة الحق والعدل في الأرض، وتابع الخلفاء والصحابة منهجه السديد إلى أن أضاءت المعمورة، وساد الخير، وتحققت مصالح الناس في الدنيا والآخرة، وانتشر الخير في أنحاء العالم .
وتتولى الدولة عامة أعمالاً جساماً كثيرة، وترعى الدولة الإسلامية خاصة إقامة الدين وسياسة الدنيا، ويعد القضاء أهم المعالم البارزة للدولة، ويعدّ أحد السلطات الثلاث في الأنظمة المعاصرة، ويقع على عاتقه مهمات خطيرة في حفظ الأمن، وحماية الدین والأنفس والأموال والأعراض، ويناط به تطبيق الأنظمة والأحكام التي تقوم عليها الدولة، ويتولى حفظ الحقوق، ومنع الاعتداء، ويحرص على إلزام الناس بالقيام بواجباتهم التي تنص عليها الشرائع والأنظمة، وذلك ضمن نظام محدد، وضوابط مقررة، وقواعد خاصة يبينها نظام القضاء الذي يُعرف بأنه مجموعة القواعد المبينة لأنواع المحاكم، وترتيبها، وتشكيلها، وسلطاتها، وطريقة تعيين أعضائها، وترقيتهم، ونقلهم وعزلهم، وحقوقهم وواجباتهم وتنظيم سائرالأعمال القضائية، ومنهج العمل، وتبين أعوان القضاة والعاملين في السلطة القضائية .
وقد تبوأ القضاء الإسلامي مكاناً عالياً في تاريخ الإسلام والمسلمين، وكان القضاة مَضْرب المثل في النزاهة والتجرد، وإقامة العدل، وتنفيذ الحدود، ومنع الظلامات، لا يخشون في الله لومة لائم، لذلك تحرص البلاد الإسلامية اليوم على السير على خطا القضاء الإسلامي في تنظيمه، وإجراءاته، وأحكامه، لتحقيق الأهداف التي أنيطت به.
تتنوع المصادر وتتعدد الوسايل لاثبات الحق في الدعاوي ومن هذه الوسايل كتاب القاضي إلي القاضي لإثبات واقعة معينة حدثت لديه أو أصدار حكم في دعوی معين، ويستدعي الحاجة إرسال هذه المعلومة إلي قاضي آخر ليستعان به في إحقاق حق أو تطبيق حكم، أو تستدعي العملية القضائية طلب معلومات من قاضي آخر في مكان معين، سواء كان القاضي المرسل إليه في منطقة قريبة أو بعيدة وهو ما يعبر عنها بالقانون الوضعي الحالي بالإنابة القضائية وطلب المستندات القضائية أو تبليغها بالطرق الدبلوماسية، وهذا هو ما نريد البحث فيه وبيان احكامها الشرعية كمشروعية كتابة القاضي الي القاضي و الموضوعات التي يجوز فيها الكتابة والتي لا تجوز وكذلك تغير حال قاضي المرسل أو مرسل اليه وغيرها من الاحكام والمطالب التي لها اهمية كبيرة في سير القضاء واجراءاتها و مقارنة الاحكام بالقانون الوضعي الأفغاني.
نبحث فی هذا المبحث علی موضوعات الاتی إن شاءالله :
المبحث الأول : التعریفــات:
المطلب الاأول : تعریف الحکم:
المطلب الثانی : تعریف القضاء:
المبحث الثانی : کتابة القاضی الی القاضی:
المطلب الأول: كتاب القاضي إلى غيره من القضاة:
المطلب الثاني: الشهادة على كتاب القاضي:
المطلب الثالث: خصوص الكتاب وعمومه:
المطلب الرابع: تغيّر حال قاضي الكاتب:
المطلب الخامس: تغيّر حال قاضي المكتوب إليه:
المطلب السادس: سندات الرسمیة:
المطلب السابع: حکم کتابة القاضی إلی القاضی:
المبحث الثالث : نقض حکم القاضی:
النتیجة البحث:
المبحث الاول
التعریفــــــــــــــــــــــــات
مطلب الاول : تعریف الحکم :
الحكم لغةً : القضاء، وأصل معناه : المنع، يقال: حكمت عليه بكذا إذا منعته من خلافه فلم يقدر على الخروج من ذلك، ويقال حكم اللّه أي قضاؤه بأمر والمنع من مخالفته.
والحكم اصطلاحاً يقيّد بالشّرعيّ، تفريقاً له عن العقليّ والعاديّ وغيرهما، فالحكم الشّرعيّ عند جمهور الأصوليّين هو: خطاب الشّارع المتعلّق بأفعال المكلّفين اقتضاءً أو تخييراً أو وضعًا.
أنواع الحكم : یستخرج من التعریف انواع الحکم لذلک الحکم ينقسم إلى إقتضائي ووضعيّ ، لان کلام الشارع المتعلق بافعال المکلفين إما إقتضاءً علی سبیل الطلب أو التخییر أو علی سبیل الوضع فان کان متعلقًا بفعل المکلف علی جهة الطلب او التخییر فیسمی الحکم التکلیفی و إن کان متعلقًا به علی جهة الوضع ،کان حکمًا وضعیًا.
مطلب الثانی : تعریف القضاء:
القضاء لغةً : عبارة عن اللزوم، و لهذا سُمی القاضی قاضیًا: لانه یلزم الناس.
والقضاء في الإصطلاح: تعریف القضاء عند المذاهب الأربعة مختلفة ممایلي:
عند الحنفیة: یراد بالقضاء فصل الخصومات وقطع المنازعات.
عند المالکیة: الإخبار عن حکم شرعی علی سبیل الإلزام .
عند الشافعیة: القضاء فصل الخصومة بین اثنین فاکثر بحکم الله تعالی .
عند الحنابلة: الالزام بالحکم الشرعی و فصل الخصومات .
فیظهر من جمیع هذه التعریفات أن القضاء هو الإخبار عن حکم الله تعالی فی القضیة واظهار الحق المدعی به، بین الخصمین مع إلزام للطرفین به.
المبحث الثانی
کتابة القاضي إلی القاضي
في بحث کتابة القاضي إلی القاضي تنص المواد المتعددة من المجلة الأحکام العدلیة حول هذه الموضوع کما یلي
المادة ( 1736 )
( لَا يُعْمَلُ بِالْخَطِّ وَالْخَاتَمِ فَقَطْ أَمَّا إذَا كَانَ سَالِمًا مِنْ شُبْهَةِ التَّزْوِيرِ وَالتَّصْنِيعِ فَيَكُونُ مَعْمُولًا بِهِ أَيْ يَكُونُ مَدَارًا لِلْحُكْمِ وَلَا يَحْتَاجُ لِلْإِثْبَاتِ بِوَجْهٍ آخَرَ )
لا يعمل بالخط والخاتم فقط، لأنَ الخط الواحد يشبه الخط الآخر والخاتم يشبه الخاتم الآخر فيكون فيه شائبَة التزوير والتصنِيع، وتحتوي هذهِ المادة على ثلَاثة أَحكام:
الحكم الأَوَل: وهو أَنهُ لا يعمل بالخط فقط، لأَن خط الواحد يشبهُ خط الآخر فلذلكَ إذا كان سالماً من شبهة التزویر والتصنیع و إذا ثبت من جانب خبراء أن هذا الخط من شخص معین فإنه مقبول.
الحكم الثاني: لا يحكم بالخاتم فقط، لأنه يشبه الخاتم الآخر، من الممكن حفر وصنع خاتمٍ مطابق لخاتَم، من الممكن أن يقع في يد آخر خاتم شخص وأَن يختم به سندًا ضد ذلكَ الشخص لا سيما إذا توفي صاحِب الخاتم فتزيد الشُبهة في السنَد المختوم بخاتم المتوفى، أن النَقاش الَّذي يحفر ویصنع الخاتم لأَحد يستطيع قبل تسليم الخاتم لصاحبه أَن يختم على السند الذي رتبه فلذلكَ لا يعمل بالخاتم فقط فعليه لو قال المدعى عليه: إن الخاتم الموجود في هذا السند هو خاتمي إلَّا أنّني لم أَختمه وبتعبير آخر لو أقر باخاتم فقط فلا يكون قد أقر بالدين أما لو قال: إن الخاتم خاتمي وأنا الذي ختمت السند به ففِي تلكَ الحال يعمل بالسند.
الحكم الثالث: لا يعمل أيضًا بالخط والخاتم معًا، لأنّه ما دام يوجد شبهة تزوير في الآحاد فتوجد هذه الشبهة في المجموع أَيضًا فقط أي ما لم يثبت مضمونه بحجة شرعية أو بشهادة عادلة.
المطلب الأول: كتاب القاضي إلى غيره من القضاة:
للقاضي أن يكتب إلى غيره من القضاة بما وجب عنده من حكم، أو ثبت عنده من حقّ، ويكتب به إلى من هو أعلى منه، وأدنى، وإلى خليفته، ومستخلفه ، ويكون المقصود به أمرين :
أحدهما: أن يثبت به عند الثاني ما ثبت عند الأول.
الثاني: أن يقوم في تنفيذه واستيفائه مقام الأول.
واستدل على جواز قبول كتاب القاضي بما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: (( أنه كتب إلى الضحاك بن سفيان أن يورث امرأة أشيم الضّبابيّ من دية زوجها))
وایضاً تنص المادة: (196) من قانون اصول المحاکمات التجاریة الافغانیة: ( المستندات والاوراق اذا تعذر احضارها الي المحكمة لكونها خارجة عن اختصاصها المكاني، تتخذ الاجراءات لاحضارها بالانابة القضائية).
المطلب الثالث: الشهادة على كتابة القاضي:
ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة وأشهب من المالكية إلى أن القاضي لا يقبل إلا شهادة عدلين يقولان: إنه قرأه علينا أو قرئ عليه بحضرتنا، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا بد أن يشهد الشّهود بختم القاضي، وبمثل ذلك صرح الشافعية، وقال أبو يوسف إذا شهدوا بالكتاب والخاتم تقبل وإن لم يشهدوا بما في الكتاب، وكذا إذا شهدوا بالكتاب وبما في جوفه تقبل وإن لم يشهدوا بالخاتم، وحكي عن الحسن وسوار والعنبريّ أنهم قالوا إذا كان يعرف خطه وختمه قبله، وهو قول أبي ثور.
وذهب المالكية إلى إشتراط الشاهدين ولم يقيّدوا ذلك بقراءة الكتاب عليهم وقالوا: إما كتابة القاضي المجرد عن الشهادة فلا أثر له، قال ابن رشد: والعمل عندنا اليوم بإفريقية على ما كان عليه السلف في القديم من الشهادة على خطّ القاضي، وفي التنبيه لابن المناصف - من المالكية - قوله: وقد التزم الناس اليوم في سائر بلادنا إجازة كتب القضاة بمعرفة الخطّ ، وكافة الحكام قد تمالئوا على إجازة ذلك والتزامه والعمل به في عامة الجهات للاضطرار إليه، ولأن المطلوب إنما هو قيام الدليل وثبوته على أن ذلك الكتابة، كتابة القاضي ، فإذا ثبت عند المكتوب إليه معرفة خطّه ثبوتاً لا يشكّ فيه أشبه الشهادة عليه وقام مقامها، وإن لم يتحقق القاضي خط الكاتب فلا بد من شاهدين عدلين يعرفان خط القاضي الكاتب.
اشتراط المسافة:
يرى الحنفية أنه لا بد من وجود مسافة قصر بين بلد القاضي الكاتب والمكتوب إليه، ولم يفرّق الإمام مالك بين ما يكتبه القاضي البعيد عن مكان القاضي المكتوب إليه أو القريب من مكانه، وقال الحنابلة يقبل وإن كانا ببلد واحد إلا إذا بعث إلى القاضي الآخر ليحكم بما ثبت عند الأول فلا يكون إلا إذا فصلت بينهما مسافة قصر، وفصل الشافعية فقالوا إن تضمن الكتاب نقل شهادة فقط، سمع في مسافة القصر قولاً واحداً، وإن تضمن ثبوت الحقّ فقط ففيه وجهان والأصحّ عندهم أنه لا يسمع إلا في المسافة البعيدة، وفي مسافة العدوى خلاف مشهور وإن تضمن الكتاب الحكم بالحقّ سمع في القريب والبعيد كيف كان مراسلةً أو مشافهةً، وقال ابن ابی لیلی رحمه الله یقبل کتاب القاضی الی القاضی فی الکل.
قلتُ: القول الراجح في زماننا : القول ابن ابی لیلی لحاجة الناس و ینبغی للقاضی المرسل الیه أن لا یفک الکتاب الا بمحضر من الخصم لیکون أبعد من التهمة.
کما تنص المادة: (196) قانون اصول المحاکمات التجاریة الافغانیة: ( المستندات والاوراق اذا تعذر احضارها الي المحكمة لكونها خارجة عن اختصاصها المكاني، تتخذ الاجراءات لاحضارها بالانابة القضائية .
المطلب الرابع : خصوص الكتابة وعمومها:
ذهب المالكية والشافعية والحنابلة وأبو يوسف من الحنفية إلى أن للقاضي أن يكتب إلى قاض معين، أو أن يكتب إلى من يصل إليه من قضاة المسلمين من غير تعيين ويلزم من وصله قبوله كما لو كان الكتاب إليه بعينه.
وزاد الشافعية أنه لو كتب إلى قاض معين ، وسماه في كتابه ، وجب على كلّ قاض غيره تنفيذه والعمل به إذا قامت به بيّنة عنده .
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا ينفذ الكتاب ولا يقبل إلا إذا كان القاضي الكاتب قد عين واحداً من الناس.
المطلب الخامس : تغيّر حال القاضي الكاتب:
إذا تغيرت حال القاضي الكاتب بموت أو عزل بعد أن كتب الكتاب وأشهد على نفسه لم يقدح في كتابه وكان على من وصله الكتاب قبوله والعمل به سواء تغيرت حاله قبل خروج الكتاب من يده أو بعده، وهو ما ذهب إليه المالكية والشافعية والحنابلة.
وأما الحنفية فيقولون: إذا مات القاضي أو عزل قبل وصول كتابه إلى القاضي الآخر، فلا يعمل به في هذه الحالة، ولو مات بعد وصول الكتاب إليه جاز له أن يقضي به .
مطلب السادس: تغيّر حال القاضي المكتوب إليه:
يرى المالكية وأكثر الشافعية والحنابلة أن القاضي المكتوب إليه إن تغيرت حاله بأيّ حال كان من موت أو عزل أو فسق فالمن وصل إليه الكتاب ممن قام مقامه قبول الكتاب والعمل به، وقد حكي عن الحسن أن قاضي الكوفة كتب إلى إياس بن معاوية قاضي البصرة كتاباً فوصل وقد عزل وولّي الحسن فعمل به، إلا أن المالكية اشترطوا الإشهاد على الكتاب ولم يكتفوا بمعرفة الخطّ.
ويرى الحنفية وفي وجه عند الشافعية أنه لا يعمل به لأنه لم يكتب إليه.
إذا كتب قاض إلى قاض بكتابة فيه اختلاف بين الفقهاء، والمكتوب إليه لا يرى ذلك الرأي ولا يأخذ به، فإن كان ما تضمنه الكتاب حكماً جاز إنفاذه عند الحنفية والمالكية والحنابلة ما لم يخالف نصّاً أو إجماعاً، فإن لم يكن حكماً لم ينفّذه وإنما هو بمنزلة الشهادة، وعند الشافعية إن كان إنما كتب مما ثبت عنده للخصم أو بما أشبه ولم يفصّل ذلك بحكم فليعمل برأيه الذي يختاره مما اختلفوا فيه ولا يعمل برأي الكاتب إليه، وإن كان مما حكم به القاضي الأول مما لا يراه هو فليس له أن يمضيه لاعتقاده أنه باطل، وليس له أن ينقضه، لإحتماله في الاجتهاد، وليس له أن يأخذ المطلوب بأدائه؛ لأنه غير مستحقّ عنده، وليس له أن يمنع الطالب منه، لنفوذ الحكم به.
مطلب السابع : سندات الرسمیة:
تنص المادة ( 1737 ) من مجلة الاحکام العدلیة:( الْبَرَاءَاتُ السُّلْطَانِيَّةُ وَقُيُودُ الدَّفَاتِرِ الخاقانية لِكَوْنِهَا أَمِينَةً مِنْ التَّزْوِيرِ مَعْمُولًا بِهَا ) أي أمينة وسالمة من شبهة التزوير والتصنِيع. أن البَراءات السلطانية أمينة من التزوير، لأن هذه البراءات إنما تعطى بعد صدور الإرادة السنية الملوكية ثم تسجل الإرادة المذكورة في قلَم الديوان الهمايوني وهذا السجل يحفظ في أمكنة حريزة كما أنه قد وضع عقوبات شديدة على من يرتكِب جريمة التزوير فيها، فلذلكَ لو وجد أمر سلطاني مقيد ومحفوظ يتضمن عدم سماع الدعوى في الخصوص الفلاني فيعمل به ولا حاجة لإثبات مضمونه. كذلك قيود الدفتر الخاقاني أمينة من التزوير، والمقصود من قيوده هي الدفاتر التي جرى قيدها وتحريرها بكمال الاعتناءِ والتحقيق بصورة سالمة من الشبهة في زمن السلاطين الماضية.
مطلب الثامن: حکم کتابة القاضی علی القاضی:
كتب القضاة إلى القضاة جائزة في حقوق الناس، الدّيون والعقارات والشركات والغصب الوديعة، وهذا ما ذهب إليه الحنفية والشافعية والحنابلة في الجملة، لكن بعضهم قيد الجواز بشروط معينة فعند أبي حنيفة والشافعيّ في الأصحّ ومحمد وأبي يوسف لا تقبل في الأعيان التي تقع الحاجة إلى الإشارة إليها كالمنقول من الحيوان والعروض لعدم التميّز حكي عن الشافعيّ قول ثان بجواز الحكم بالشهادة في تلك الأعيان لما يجب من حفظ الحقوق على أهلها، وذهب الحنفية إلى أنه لا يقبل كتاب القاضي في الحدود، ولا القصاص وعللوا ذلك بأن كتاب القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة وأنه لا تقبل فيهما، ويرى الشافعية أن الحق إن كان للآدميّ كالقصاص، وحدّ القذف استوفاه المكتوب إليه، فأما ما كان من حقوق الله تعالى ففي جواز استيفائه بكتاب القاضي إلى القاضي قولان :
أحدهما: يستوفى كحقوق الآدميّين.
والثاني: عدم الجواز لأن حقوق الله تدرأ بالشّبهات.
وعند مالك وابن أبي ليلى يقبل في الحقوق والأحكام كلّها.
وذهب الحنابلة إلى قبول الكتاب في كلّ حقّ لآدميّ بما في ذلك القود وحدّ القذف لأنه حقّ آدميّ لا يدرأء بالشّبهة ولا يقبل في حدود الله تعالى.
مبحث الثالث
نقض حکم القاضی
الاصل عند الحنفیة عدم سمع الدعوی تکرارًا لکن فی الصور الثلاثة الآتیة یجوز سمع الدعوی تکرارًا :
تنص المادة (1837 ) من المجلة الاحکام: (لَا يَجُوزُ رُؤْيَةُ وَسَمَاعُ الدَّعْوَى تَكْرَارًا الَّتِي حَكَمَ وَصَدَرَ إعْلَامٌ بِهَا تَوْفِيقًا لِأُصُولِهَا الْمَشْرُوعَةِ أَيْ الْحُكْمُ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا فِيهِ أَسْبَابُهُ وَشُرُوطُهُ)
الصورة الاولی: أن یکون الحکم الواقع غیابًا فیعترض علیه بطریق دفع الدعوی، کما تنص المادة (1836) و ( 1837) مجلة الاحکام العدلیة: المادة (1836) ( إذَا حَضَرَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ غِيَابًا إلَى الْمَحْكَمَةِ وَتَشَبَّثَ بِدَعْوَى صَالِحَةٍ لِدَفْعِ دَعْوَى الْمُدَّعِي تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَتُفْصَلُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُوجِبِ وَإِذَا لَمْ يَتَشَبَّثْ بِدَفْعِ الدَّعْوَى أَوْ تَشَبَّثَ وَلَمْ يَكُنْ تَشَبُّثُهُ صَالِحًا لِلدَّفْعِ يَنْفُذُ وَيَجْرِي الْحُكْمُ الْوَاقِعُ) المادة (1837) ( لَا يَجُوزُ رُؤْيَةُ وَسَمَاعُ الدَّعْوَى تَكْرَارًا الَّتِي حَكَمَ وَصَدَرَ إعْلَامٌ بِهَا تَوْفِيقًا لِأُصُولِهَا الْمَشْرُوعَةِ أَيْ الْحُكْمُ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا فِيهِ أَسْبَابُهُ وَشُرُوطُهُ) ذکر قیدین لمنع رؤیة الدعوی تکرارًا:
الاول: قوله التي حکم و اعلم بها.
الثانی: قوله موافقة لأصولها المشروعة.
الصورة الثانیة: أن ینقض ذلک الحکم من دائرة الفتوی العلیة من المجلس التدقیقات الشرعیة فتری الدعوی استئنافًا مثلا اذا دقت دائرة الفتوی العلیة او مجلس التدقیقات الشرعیة فی اعلام صادر علی شخص و نقض لمخالفته للشرع فتری الدعوی استینافًا مرةً ثانیة کما تنص المادة ( 1838) و (1839)
المادة ( 1838) (إذَا ادَّعَى الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي صَدَرَ فِي حَقِّ الدَّعْوَى لَيْسَ مُوَافِقًا لِأُصُولِهِ الْمَشْرُوعَةِ وَبَيَّنَ جِهَةَ عَدَمِ مُوَافَقَتِهِ وَطَلَبَ اسْتِئْنَافَ الدَّعْوَى يُحَقِّقُ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِأُصُولِهِ الْمَشْرُوعَةِ يُصَدَّقُ وَإِلَّا يُسْتَأْنَفُ)
الصورة الثالثة: تری الدعوی مرة ثانیة بطریق اعادة المحاکمة علی الوجه المبین کما تنص المادة ( 1840) من المجلة الاحکام:
المادة ( 1839 ) ( إذَا لَمْ يَقْنَعْ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِالْحُكْمِ الْوَاقِعِ فِي حَقِّ دَعْوَى وَطَلَبَ تَمْيِيزَ الْإِعْلَامِ الْحَاوِي الْحُكْمَ يُدَقِّقُ الْإِعْلَامُ الْمَذْكُورُ فَإِذَا كَانَ مُوَافِقًا لِأُصُولِهِ الْمَشْرُوعَةِ )
وایضاً تنص المادة (5) من قانون تشکیلات و صلاحیات القضائیه الافغانیة فی الموارد الاستیناف: (يحق لكل من طرفي الدعوي الطعن علي الحكم الصادر في الدعوي لدي المحكمة التي فوقها وحسب الاجراءات الواردة في القانون).
نتیجة البحث
في الختام نذكر اهم ما توصلت اليه من النتائج في هذا البحث: ـ
1- الخط والخاتم اذا تيقن خلوه من التزوير يعتبران حجة مثبتة والا لا .
2- يجوز كتاب القاضي الي القاضي بشكل عام في وجوب حكم او اثبات حق عنده او سواء كان المرسل اليه قريبا أو بعيدا، أو اعلي مرتبة من المرسل أو ادناه، وهذا ما أخذ به القانون الافغاني.
3- الشهادة علي كتاب القاضي إلي القاضي مختلف فيه بين الفقهاء، من اشتراط الشهادة علي القراءة والسماع، والشهادة علي الختم، والإشهاد مطلقا . پ
4- اختلف الفقهاء حول إشتراط المسافة في هذا الموضوع، فمنهم من يرى الجواز مطلقا دون النظر الي بعد المسافة أو قربها ومنهم من اشترط المسافة واختلفوا في تحديدها وقدرها.
5- اختلف الجمهور مع ابي حنيفه في تعيين القاضي المرسل اليه، وهو ما يراه ابو حنيفة رحمه الله، بينما يري الجمهور عدم التقيد بذلك و يرون الزام القضاة بما وصلهم من كتاب قاض آخر سواء عين المرسل اليه ام لم يعين .
6- اذا تغير حال القاضي المرسل يري الاحناف ان التغيير اذا كان بعد وصول الكتاب الي المرسل اليه فلا يؤثر واما قبله فلا يقبل، بينما يرى الجمهور الاخذ به مطلقا مادام كتبه في الحالة المعتبرة شرعا.
واما المرسل اليه لو تغيير حاله فيري الجمهور وجوب الاخذ به لمن خلفه، بينما يري ابوحنيفه عدم الاخذ لعدم التعيين. ـ الوثائق الرسميه الصادرة من الجهات الحكومية تعتبر حجة مثبتة للحق لكونها مأمونة من التزوير.
7- اختلف آراء الفقهاء في الحقوق والدعاوي التي يجوز فيه كتابة القاضي الي القاضي بين من يجيز علي الاطلاق و من يقيد الجواز بنوع معين من الدعاوي دون غيرها.
8- الأصل أن الدعوي اذا فصلت باصدار حكم، لا يجوز اعادة النظر فيها الا في حالات ثلاثة :
ـ اذا كان الحكم الصادر غيابيا.
ـ اذا صدر فتوي من دائرة الفتوي العالية بنقض الحكم الصادر لمخالفة شرعية.
ـ اذا لم يقتنع المحكوم عليه بالحكم الصادر ضده وطلب اعادتها للمحاكمة لمخالفة شرعية .
فهرست المنابع
1- الاصول الفقه الاسلامی / لزحیلی وهبة / دارالفکرة؛
2- اداب القضاء / لامام ابی العباس شمس الدین احمد بن ابراهیم / دارالبشائر الاسلامیة؛
3- معین الحکام / لامام علاء الدین علی بن خلیل الطرابلیسی الحنفی / دار الفکرة؛
4- آداب القاضی للماوردی / دارالفکرة؛
5- - المغنی لابن قدامة / دارالفکرة؛
6- بدایع الصنایع / لامام علاء الدین ابی بکر / المکتبة الحقانیة؛
7- المغنی / المکتبة الحقانیة؛
8- درالحکام شرح مجلة الاحکام / لعلی حیدر / دارالکتب العلمیة بیروت لبنان؛
9- القاموس المحیط / دارالفکرة؛
10- قانون اصول المحاکمات تجاریة /جریدة الرسمیة رقم 1-4 سنه 1343هـ ش / وزارة العدل الافغانیة.
الکتابة والترتیب: دکتور محمد ظریف علم (ستانکزی)
اسم: دکتور محمد ظریف علم ( ستانکزی)